مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

65

شرح فصوص الحكم

إلا محمد عليه السلام ) لكونه متضمنا لجميع الفرقان المرتبي فما أنزل اللّه تعالى القرآن إلا إلى القرآن ( وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ) أي اصطفيت وفضلت بأن يكونوا أمة لهذا النبي لقربهم إليه في المرتبة القرآنية ( فليس كمثله شيء فجمع ) محمد عليه السلام ( الأمر ) أي التنزيه والتشبيه ( في أمر واحد ) أي في كلام واحد ( فلو أن نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه ) لفظا ( فإنه ) أي النبي عليه السلام ( شبه ونزه في آية واحدة ) وهي قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ( بل ) شبه ونزه ( في نصف آية ) وهو ليس كمثله شيء لذلك قبل دعوته وكثر أمته يوما فيوما إلى يوم القيامة ( ونوح دعا قومه ليلا ) إلى التنزيه ( من حيث عقولهم وروحانيتهم فإنها ) أي العقول ( غيب ) لا يكون الدعوة إلى مقام التنزيه إلا بها ( ونهارا ) إلى مقام التشبيه ( دعاهم أيضا من حيث صورهم وجثثهم ) فإنها ظاهر موجب للتشبيه ( وما جمع في الدعوة بينهما مثل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفرت بواطنهم ) أي عقولهم وقلوبهم ( بهذا الفرقان ) ولخشونة طبعهم المانعة للإجابة ( فزادهم فرارا ) فظهر الفرق بين المقام المحمدية والنوحية لأن دعوة محمد عليه السلام علة تامة مؤثرة موجبة للإجابة وأما دعوة نوح عليه السلام فليست علة تامة مؤثرة بل هي جزء من علة مؤثرة لذلك أسند الشيخ عدم إجابتهم ونفرتهم إليها فكان نوح على النصف من الدعوة لذلك لم يؤثروكم بين دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ودعوة نوح عليه السلام فالمقصود بيان تفاوت المراتب فمقام نوح عليه السلام مرتبة من المراتب الإلهية وهو التنزيه يظهر منه الأحكام الإلهية بمقتضى مرتبة من غير نقص منها ولا زيادة عليها على أن الزيادة نقص فعدم الجمع كمال بالنسبة إليه والجمع نقص بالنسبة إلى مرتبته ومقامه وهو تفضيل التنزيه إذ لا تفضيل في الجمع فلو أتى بالجمع فقد نقص عن مقامه لعدم إتيانه بالتنزيه على وجه التفضيل كما أن محمدا عليه السلام لو لم يأت بالجمع لنزل عن درجته فمعنى قوله لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه أي لو كان مرتبة نوح عليه السلام مقام الجمع لأجابوه فزال توهم النقص للعقول الضعيفة فلو جاء محمد في زمن نوح وغيره من الأنبياء عليه السلام لأجاب قوم هذا الزمان لجمعه بين الدعوتين ( ثم قال عن نفسه ) أي ثم أخبر عن دعوته قومه ( أنه دعاهم ليغفر لهم ) أي ليستر لهم الحق حقيقة الأمر ( لا ليكشف لهم وفهموا ذلك منه ) أي قصد نوح عليه السلام من دعوته ( فذلك ) أي لأجل فهمهم معنى الدعوة ( جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وهذه كلها صورة السرّ التي دعاهم إليها ) هذا هو المعنى الذي يفهمه الخواص ( فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك ففي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إثبات المثل ونفيه ) عند أهل اللّه تعالى لأن وجود المماثل عندهم اشتراك الغير في وصفه تعالى فكان الكاف حينئذ عندهم على تقدير عدم الزيادة لإثبات المثل في صفة لا لغيره وما هذا إلا وهو بعينه مذهب أهل الشرع لذلك أورد الدليل عليه بقوله : ( وبهذا ) أي بسبب كون إثبات المثل ونفيه في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( قال ) أي أخبر